السيد محمد باقر الصدر

120

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

غير أنّ هيوم يتناول الانطباعات نفسها فيقسّمها إلى قسمين : أحدهما : انطباعات الإحساس . والآخر : انطباعات التفكير . فنحن حينما نبصر أسداً مثلًا نحصل على انطباع له في إدراكنا يتمتّع بالقوّة والحيويّة ، وبعد أن يغيب الأسد عن أعيننا يزول الانطباع ويحتفظ الذهن بصورة منه ، وهذه الصورة هي الفكرة ، أي فكرتنا عن الأسد . وهذه الفكرة قد تولّد في النفس النفور والتهيّب ، ويعتبر هذا النفور والتهيّب انطباعاً ؛ لأنّه يتمتّع بدرجة كبيرة من الحيويّة والقوّة ، وهذا الانطباع ليس وليد الإحساس ، وإنّما هو وليد الفكرة ، فهو انطباع الفكرة ، بينما يكون الانطباع الذي ولّدته رؤيتنا للأسد انطباع الإحساس . وأيّ انطباع يوجد في إدراكنا فهو يتّخذ بعد غيبة الموضوع مظهره كفكرة ، وهذه الفكرة قد تحتفظ بدرجة كبيرة من حيويّة الانطباع ، فتكون وسطاً بين انطباع وفكرة ، وقد تفقد تلك الحيويّة فقداناً تامّاً فتغدو فكرة خالصة . والملكة التي نستعيد بها انطباعاتنا على المنوال الأوّل هي الذاكرة ، والأخرى التي نستعيدها بها على المنوال الثاني هي الخيال . فأفكار الذاكرة تختلف عن أفكار الخيال في قوّتها وحيويّتها ، كما تختلف عنها أيضاً في أنّها نسخ حرفيّة للانطباعات التي ولّدتها ومطابقة لها ، على حين أنّ الخيال حرّ طليق ، ولكنّ حريّة الخيال ليست بمعنى قدرته على إنشاء أفكار جديدة بدون انطباعات سابقة ؛ لأنّ كلّ فكرة لا توجد في إدراكنا إلّانتيجة انطباع ، ولكنّ الخيال حرّ في التصرّف بذلك العدد الكبير من الأفكار الناتجة عن الانطباعات ، فيفصل ويؤلّف فيما بينها مكوّناً الصور والأوضاع التي تروق له . وهناك علاقات تنشأ عادةً بين تلك الأفكار الناتجة عن الانطباعات ( ولنسمّها بالأفكار البسيطة ) تجعل الذهن ينتقل بيسر من فكرة إلى فكرة